محمد باقر الملكي الميانجي

42

مناهج البيان في تفسير القرآن

قد يتوهّم في بدو النظر أنّه يكفي في المقام رؤية إحياء ميّت واحد في إشباع غرضه عليه السلام ، إلّا أنّ التدبّر وإمعان النظر في الآية صدرا وذيلا ، ولا سيمّا بمعونة الجواب « فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ » وإحياء الطيور الموتى المتفرّقة المختلطة ، وبعد تصريح الرّوايات الشريفة في مورد الآية الكريمة ، يعطي أنّ مورد السؤال هو إحياء الموتى ، الّتي أكل بعضها بعضا واختلط بعضها مع بعض . فاتّضح أنّ إتيان الموتى بصيغة الجمع فيه عناية خاصّة في المقام ، أراد عليه السلام أن يريه اللّه كيفيّة إحياء الموتى ، الّتي اختلط بعضها مع بعض ، وأكل بعضها بعضا . والجواب بإحياء الطيور بعد اختلاطها جواب عن هذا الغرض . قوله تعالى : « قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي » . قال في مجمع البحرين 6 / 277 : اطمأنّ الرجل إطمئنانا وطمأنينة - بضمّ التاء - سكن ولم يقلق . وفي أساس البلاغة / 284 : ورأيته قلقا فرقا فطأمنت منه حتّى اطمأنّ وتطأمن . واطمأنّ إليه : سكن إليه ووثق به . أقول : الّذي يظهر من موارد الاستعمال أنّ الاطمئنان والطمأنينة بمعنى القرار والإقامة بالمكان بعد الحركة والطلب ، لا مطلق الإقامة والسكون . قال تعالى : « وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ » . [ آل عمران ( 3 ) / 126 ] و « قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ » . [ المائدة ( 5 ) / 113 ] و « إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ » . [ الأنفال ( 8 ) / 9 و 10 ] وبديهيّ عند اولي الأبصار أنّ طلب النفس وشوقها لا يقرّ دون الوصول والنيل إلى ما يطلبه ، والاستبصار إلى فهم الحقائق مع ما فيه من رفعة المقام ، وعلوّ المحلّ لا يكون ريّا لعطش العلماء ، ولا ربيعا لقلوب الفقهاء ، بل هم في الاضطراب